القرطبي

113

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى بين جميع ما بالناس الحاجة إليه ، فكمل الدين ، وأوضح السبيل ، قال الله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ( 1 ) [ المائدة : 3 ] . قوله تعالى : ( ذلك ذكرى للذاكرين ) أي القرآن موعظة وتوبة لمن اتعظ وتذكر ، وخص الذاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بالذكرى . والذكرى مصدر جاء بألف التأنيث . قوله تعالى : واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( 115 ) فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ( 116 ) قوله تعالى : ( واصبر ) أي على الصلاة ، كقوله : " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " ( 2 ) [ طه : 132 ] . وقيل : المعنى واصبر يا محمد على ما تلقى من الأذى . ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) يعني المصلين . قوله تعالى ( فلولا كان ) أي فهلا كان . ( من القرون من قبلكم ) أي من الأمم التي قبلكم . ( أولو بقية ) أي أصحاب طاعة ودين وعقل وبصر . ( ينهون ) قومهم . ( عن الفساد في الأرض ) لما أعطاهم الله تعالى من العقول وأراهم من الآيات ، وهذا توبيخ للكفار . وقيل : ولولا هاهنا للنفي ، أي ما كان من قبلكم ، كقوله : " فلولا كانت قرية آمنت " ( 3 ) [ يونس : 98 ] أي ما كانت . ( إلا قليلا ) استثناء منقطع ، أي لكن قليلا . ( ممن أنجينا منهم ) نهوا عن الفساد في الأرض . قيل : هم قوم يونس ، لقوله : " إلا قوم يونس " . وقيل : هم أتباع الأنبياء وأهل الحق . ( واتبع الذين ظلموا ) أي أشركوا وعصوا . ( ما أترفوا فيه ) أي من الاشتغال بالمال واللذات ، وإيثار ذلك على الآخرة . ( وكانوا مجرمين ) .

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 61 . ( 2 ) راجع ج 11 ص 263 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 383 .